الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

15

مناهل العرفان في علوم القرآن

للناس وإيهام لهم أن ما أتاه ترجمة ، وما هو بترجمة . وتلك خيانة لهم ولما زعم ترجمته ، واللّه لا يهدى كيد الخائنين . تنبيهان مفيدان : ( أولهما ) : أنه لا فرق بين الترجمة الحرفية والتفسيرية من حيث الحقيقة ، فكلتاهما تعبير عن معنى كلام في لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده . وما الفرق بينهما إلا شكلى وهو أن يحل كل مفرد في الترجمة الحرفية محل مقابله من الأصل ، بخلاف التفسيرية كما بينا . فلا تظن بعد هذا أن كلمة ترجمة تنصرف إلى الحرفية أكثر مما تنصرف إلى التفسيرية كما يظن بعض الناس . بل التفسيرية أثبت قدما ، وأعرق وجودا ، وأقرب إلى الأذهان عند الإطلاق لأنها هي الميسورة ؛ وهي الواضحة ، وهي التي يتداولها المترجمون والقراء جميعا . أما الحرفية فإنها تكاد تكون نظرية بحتة ، وذلك من تعسرها أو تعذرها ، ومن غموضها وخفائها أحيانا ، ومن ندرة إقبال التراجم والقراء عليها كما سبق . ( ثانيهما ) أن تفسير الأصل بلغته ، يساوى تفسيره بغير لغته ، فيما عدا القشرة اللفظية . ألا ترى أنك إذا قرأت درس تفسير للخاصة كاشفا فيه عن معان معينة باللغة العربية ، ثم قرأت هذا الدرس عينه للعامة كاشفا عن هذه المعاني نفسها ولكن بلغة المخاطبين العامية ، فهل تشك في مساواة هذا التفسير لذاك في بيان المعاني المعينة التي فهمتها من الأصل ؟ . وهل تجد بينهما خلافا إلا في لغة التعبير وقشرة اللفظ ؟ . إذا لاحظنا ذلك أمنا الاشتباه من هذه الناحية ، وأمكن أن نستغني في بحثنا هذا بذكر المساوى عن ذكر مساويه ؛ ثقة بأن ما يقال في أحدهما يقال مثله في الآخر . فتنبه إلى ذلك دائما ، وباللّه توفيقي وتوفيقك .